فصل: تفسير الآيات (1- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (12- 21):

{إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)}
يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ علينا لَلْهُدى}؛ إنَّ علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل، وتبيين الشرائع، أو: إن علينا بموجب قضائنا المَبْنيِّ على الحِكَم البالغة، حيث خلقنا الخلق للعبادة، أن نُبيّن لهم طريق الهدى وما يؤدي إليه، وقد فعلنا ذلك مما لا مزيد عليه، حيث بَيَّنَّا حال مَن سلك كلا الطريقين، ترغيباً وترهيباً فتبيّن أنَّ الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى البُغية، لا الدلالة الموصلة إليها حتماً. قاله أبو السعود.
{وإِنَّ لنا للآخرة والأُولى} أي: التصرُّف الكلي فيهما، كيفما نشاء، فنفعل فيهما ما نشاء، فنُعطي الدنيا لمَن نشاء، والآخرة لمَن نشاء، أو نجمع له بينهما، أو نحرمه منهما، فمَن طلبهما مِن غيرنا فقد أخطأ، أو: إنَّ لنا كُلَّ ما في الدنيا والآخرة، فلا يضرنا ترككم الاهتداء بهُدانا.
{فَأّنْذَرتكم}؛ خوَّفتكم {ناراً تلضى}؛ تتلهب، {لا يَصْلاها إِلاّ الأشقى}؛ لا يدخلها للخلود فيها إلاّ مَن سبق له الشقاء، {الذي كذَّب وتَوَلَّى} أي: الكافر الذي كذّب الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وتَوَلى عن الإيمان، {وسَيُجنبها}؛ وسيبعِّدها {الأتقى}؛ المؤمن المبالغ في اتقاء الكفر والمعاصي، فلا يحوم حولها، فضلاً عن دخولها، وأمّا مَن دونه ممن يتقي الكفر دون المعاصي فلا يبعد هذا البُعد، وذلك لا يستلزم صليها بالمعنى المذكور، فلا يُنافي الحصر المذكور. {الذي يُؤتى مالَه} للفقراء {يتزكَّى} أي: يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يُريد به رياءً ولا سمعةً، من: الزكا، وهو الزيادة، أو: تفعّل من الزكاة، أو: يتطهر من الذنوب والعيوب، وهو حال من ضمير {يؤتى}. {وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى} أي: ليس لأحدٍ عنده نعمة من شأنها تجزى وتكافأ، {إِلاَّ ابتغاءَ وجه ربه}: استثناء منقطع، أي: لكن يفعل ذلك ابتغاء وجه ربه {الأعلى} أي: الرفيع بسلطانه، المنيع في شأنه وبرهانه.
والآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين اشترى بلالاً في جماعة كان المشركون يؤذونهم، فأعتقهم. ولذلك قالوا: المراد بالأشقى: أبو جهل وأمية بن خلف. وعن ابن عباس رضي الله عنه: عذَّب المشركون بلالاً، وبلالٌ يقول: أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: «ينجيك أحد أحد» ثم أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر، وقال له: «إنَّ بلالاً يُعذَّب في الله» فعرف مراده فاشتراه برطل من ذهب، وقيل: اشتراه بعبدٍ كان عنده اسمه نسطاس وكان له عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري، وكان مشركاً، فقال له الصدِّيق: أسْلِم ولك جميع مالك، فأبى، فدفعه لأمية بن خلف، وأخذ بلالاً، فأعتقه، فقال المشركون: ما أعتقه إلا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت.
رُوي أنه اشتراه، وهو مدفون بالحجارة، يُعَذَّب على الإسلام، قال عروة: أَعتق أبو بكر سبعة، كلهم يُعذب في الله، بلال وعامر بن فهيرة، والنجدية وبنتها، وزِنِّيرة، وبيرة، وأم عُبيس، وأمة بني المؤمِّل. قال: وأسْلَم وله أربعون ألفاً، فأنفقها كلها في سبيل الله. وقال ابن الزبير: كان أبو بكر يشتري الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: لو كنت تبتاع مَن يمنع ظهرك، فقال: مَنْعَ ظهري أريد، فنزلت فيه: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى} [الليل: 17] الآية. واسمه: عبد الله بن عثمان، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسمّاه الرسولُ صلى الله عليه وسلم عبد الله.
وقوله تعالى: {ولسوف يرضى} جواب قسم مضمر، أي: والله لسوف نُجازيه فيرضى، وهو وعد كريم لنيل جميع ما يبتغيه على أفضل الوجوه وأكملها، إذ به يتحقق رضاه وهو كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى} [الضحى: 5].
الإشارة: إنّ علينا لبيان الطريق لِمن طلب الوصول إلى عين التحقيق، فإنا أنزلنا كتاباً ما فرطنا فيه من شيء، وبعثنا رسولاً يهدي إلى الرشد، وجعلنا له خلفاء في كل زمان، يهدون بأمرنا إلى حضرة قدسنا، وإنَّ لنا للآخرةَ لِمن طلبها، والأوُلى لِمن طلبها، وأظهرنا أسرار ذاتِنا لمَن طلبها، فأنذرتكم ناراً تلظى، وهي نار البُعد لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي سبق له البُعد منا. {الذي كذَّب وتولَّى}، قال القشيري: أي كذَّب الحق في مظاهر الأولياء والمشايخ وأرباب السلوك، وأعْرَض عن قبول إرشادهم ونصائحهم، وعن استماع معارفهم ومواجيدهم الكشفية الشهودية، وسيُجنبها الأتقى، أي: يُجنب طريق البُعد ونار الحجاب مَن اتقى السِّوى، الذي يؤتى ماله تقرُّباً إلى الله ليتزكّى من العيوب والأنانية، {وما لأحدٍ عنده من نعمة تُجزى} أي: ليس إحسانه في مقابلة حرف {إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى} أي: إلاّ طلب معرفة ذاته العلية، {ولَسَوف يَرضى} بدوام شهود الذات الأقدس. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

.سورة الضحى:

.تفسير الآيات (1- 5):

{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)}
يقول الحق جلّ جلاله: {والضُحى}، المراد به: وقت الضحى، وهو حدود النهار حتى ترتفع الشمس، وإنما خُصّ بالإقسام به لأنه الساعة التي كلّم الله فيها موسى عليه السلام، والتي وقع فيها السحرة ساجدين، أو: النهار كلّه؛ لمقابلته بالليل في قوله: {والليلِ إِذا سجى}؛ سَكَن، المراد: سكون الناس والأصوات فيه، أو ركد ظلامه، من: سجا البحر إذا سكنت أمواجه، وقيل: المراد بالضحى: ساعة مناجاة موسى، وبالليل: ليلة المعراج.
وجواب القسم: {ما ودّعَكَ ربُّك} أي: ما تركك منذ اختارك، {وما قَلَى} أي: وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع: مبالغةٌ في الودْع، وهو الترك؛ لأنَّ مَن ودّعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. رُوي أنَّ الوحي تأخّر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً، فقال المشركون: إنَّ محمداً ودَعَهُ ربُّه وقلاه، فنزلت ردًّا عليهم، وتبشيراً له صلى الله عليه وسلم بالكرامة الحاصلة. وحذف الضمير من {قَلَى} إمّا للفواصل، أو للاستغناء عنه بذكره قبل، أو: للقصد إلى نفس صدور الفعل عنه تعالى، مع قطع النظر عما يقع عليه الفعل بالكلية، وحيث تضمّن ما سبق من نفي التوديع، والقَلى أنه تعالى يُواصله بالوحي والكرامة في الدنيا بَشَّر صلى الله عليه وسلم بأنّ ما سيؤتاه في الآخرة أجلّ وأعظم بذلك، فقيل: {وللآخرةُ خير لك من الأُولى}، لأنَّ ما فيها من النِعم صافية من الشوائب على الإطلاق، وهذه فانية مشوبة بالمضار وما أوتي صلى الله عليه وسلم من شرف النبوة، وإن كان مما لا يُعادله شرف، ولا يُدانيه فضل، لكنه لا يخلو في الدنيا عن بعض العوارض الشاقة على النفس.
ووجه اتصال الآية بما قبلها: أنه لمَّا كان في ضمن نفي التوديع والقَلي أنَّ الله يُواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبر أن ما له في الآخرة أعظم وأشرف، وذلك لتقدُّمه على الأنبياء في الشفاعة الكبرى، وشهادة أمته على الأمم، ورفع درجات المؤمنين، وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية التي لا تُحيط بها العبارة.
وقوله تعالى: {ولَسَوْفَ يُعطيك ربُّك فترضى} وَعْد كريمٌ شاملٌ لِما أعطاه الله تعالى في الدنيا، من كما اليقين، وعلوم الأولين والآخرين، وظهور أمره، وإعلاء دينه بالفتوح الواقعة في عصره صلى الله عليه وسلم، وفي أيام خلفائه الراشدين وغيرهم من الملوك الإسلامية، وفشو الدعوة، وإعلاء منار الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، ولِما ادخر له من الكرامات التي لا يعلمها إلاَّ الله عزّ وجل، وقد أنبأ ابنُ عباسٍ عن شيء منها، حيث قال: أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك. وفي الحديث: لَمَّا نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: «أنا لا أرضى وواحد من أمتي في النار» قال بعضهم: هذه أرجى أية في القرآن. ودخل صلى الله عليه وسلم على فاطمة، وعليها ثياب من صوف وشعر، وهي تطحن وتُرضع ولدها، فدمعت عيناه، وقال: «يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة» ثم تلا: {ولسوف يعطيك ربك فترضى}. واللام للقسم، وإنما لم تدخل نون التوكيد لفصل السين بين القسم والفعل.
الإشارة: قال القشيري: يُشير إلى القسم بضحوة نهار قلب الرسول، عند انتشار شمس روحه على بشريته، وبِلَيل بشريته عند أحكام الطبيعة وسلوك آثار البشريه لغلبة سلطان الحقيقة، ما ودَّعك ربك بقطع فيض النبوة والرسالة عن ظاهرك، وما قَلَى بقطع فيض الولاية عن قلبك، {وللآخرةُ خير لك من الأولى} يعني: أحوال نهايتك أفضل وأكمل من أحوال بدايتك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا يزال يطير بجناحي الشريعة والطريقة في جو سماء الحقيقة، ويترقّى في مقامات القٌرب والكرامة. اهـ. ويمكن الخطاب بالسورة الكريمة لخليفته من العارفين، الدعاة إلى الله. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (6- 11):

{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)}
يقول الحق جلّ جلاله: {أَلمْ يَجِدْكَ يتيماً} من أبويك {فآوى} أي: ضمَّك إلى جدك، ثم إلى عمك أبي طالب. رُوي أنَّ أباه مات وهو جنين، قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكلفه أولاً جدُّه عبد المطلب، فلما مات جده كَفَلَه عَمُّه أبو طالب، فأحسن تربيته، وذلك إيواؤه، وقال القشيري: ويُقال: بل آواه إلى ظل كَنَفِه، وربَّاه بلطف رعايته. اهـ.
والحكمة في يُتمه صلى الله عليه وسلم: ألاّ يكون عليه منّة لأحدٍ سوى كفالة الحق تعالى. وقيل: هو من قول العرب: دُرة يتيمة إذا لم يكن لها مِثل، أي: ألم يجدك وحيداً في شرفك وفضلك، لا نظير لك فآواك إلى حضرته.
{وَوَجَدَك ضالا}؛ غافلاً عن الشرائع التي لا تهتدي إليها العقول، {فَهَدَى}؛ فهداك إليها، كقوله: {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان} [الشورى: 52]. وقال القشيري: أي: ضالاًّ عن تفصيل الشرائع فهديناك إليها، وعَرَّفناك تفصيلَها. اهـ. أو: ضالاً عما أنت عليه اليوم من معالم النبوة، ولم يقل أحد من المفسرين: ضالاًّ عن الإيمان. قاله عياض: وقيل: ضلّ في صباه في بعض شِعاب مكة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب، وقيل: ضلّ مرة أخرى، وطلبوه فلم يجدوه، فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً، وتضرّع إلى الله، فسمعوا هاتفاً يُنادي من السماء: يا معشر الناس، لا تضجُّوا، فإنَّ لمحمدٍ ربَّا لا يخذله ولا يُضيّعه. وأنَّ محمداً بوادي تهامة عند شجرة السمر، فسار عبد المطلب وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالإغصان والأوراق. وقيل: أضلته مرضعته حليمة عند باب الكعبة حين فطمته، وجاءت به لترده على عبد المطلب، وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، يُروى أن إبليس أخذ بزمام ناقته في ليل ظلماء فعدل به عن الطريق، فجاء جبريلُ عليه السلام، فنفخ إبليسَ نفخة وقع منها إلى أرض الهند، وردّه إلى القافلة. وقوله تعالى: {فَهَدَى} أي: فهداك إلى منهاج الشرائع المنطوية في تضاعيف ما يُوحى إليك من الكتاب المبين، وعلَّمك ما لم تكن تعلم. {ووجدك عائلاً}؛ فقيراً من حس الدنيا، {فأَغْنَى}؛ فأغناك به عما سواه، وزوّجك خديجة، فقامت بمؤونة العيش، أو بما أفاء عليك من الغنائم، قال صلى الله عليه وسلم: «جعل رزقي تحت ظل رمحي».
{فأمَّا اليتيمَ فلا تقهرْ}، قال المفسرون: أي: لا تغلبه على ماله وحقه، لأجل ضعفه، وأذكر يتمك، ولا تقهره بالمنع من مصالحه، ووجوه القهر كثيرة والنهي يعم جميعها، أي: دُم على ما أنت عليه من عدم قهر اليتيم. وقد ورد في الوصية باليتيم أحاديث، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافلُ اليتيم في الجنة كهاتين إذا اتقى الله» وأشار بالسبابة والوُسطى، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي؛ مَن أبكى هذا اليتيم الذي غيبتُ أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله تعالى: يا ملائكتي فإني أُشهدكم أنَّ لمن أسكته وأرضاه أنْ أُرضيه يوم القيامة»، فكان عمر إذا رأى يتيماً مسح رأسه وأعطاه شيئاً. وقال أنس: «مَن ضمّ يتيماً، فكان في نفقته، وكفاه مؤنته، كان له حجاباً من النار يوم القيامة، ومَن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة».
{وأمَّا السائِلَ فلا تنهرْ} أي: لا تزجره ولا تعبس في وجهه، ولا تغلظ له القول، بل ردّه ردًّا جميلاً، قال إبراهيم بن أدهم: نِعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: أتبعثون إلى أهليكم بشيء. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعنّ أحدُكم السائلَ وإن في يديْه قُلْبَين، من ذهب» أي: سوارين. وقال أيضاً: «أعط السائل ولو على فرسه» وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رددت السائل ثلاثاُ فلم يرجع عليك أن تَزْبُرَه» وقال الحسن: المراد بالسائل هنا: السائل عن العلم.
{وأمَّا بنعمةِ ربك فحدِّث} بشكرها وإشاعتها وإظهار آثارها يرد ما أفاضه الله تعالى عليه من فنون النعم، التي من جملتها المعدودة والموعودة والنبوة التي آتاه الله تأتي على جميع النِعم، ويَدخل في النِعم تعلُّم العلم والقرآن، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «التحدُّث بالنِعَم شكر» ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا، ولقد صلَّيتُ البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا ذكره على وجه الشكر، أو ليُقتدى به، فأمّا على وجه الفخر والرياء فلا يجوز. اهـ.
انظر كيف ذكر الله في هذه السورة ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا، فقال في قوله: {ألم يجدك يتيماً} بقوله: {فأمّا اليتيم فلا تَقْهَر} وقابل قولَه: {ووجدك ضالاً} بقوله: {وأمّا السائل فلا تَنْهَر} على مَن قال: إنه طالب العلم، وقابل بقوله: {وأمّا بنعمة ربك فَحَدِّث} على القول الآخر وقابل قوله: {ووجدك عائلاً فأَغْنَى} بقوله: {وأمّا السائل فلا تَنْهر} على القول الأظهر، وقابله بقوله: {وأمَّا بنعمة ربك فحدِّث} على القول الآخر. اهـ. من ابن جزي.
ولمَّا قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الضحى كبّر في آخرها، فسُنَّ التكبير آخرها، وورد الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها في رواية البزي.
الإشارة: ألم يجدك يتيماً فرداً من العلائق، مجرداً مما سوى الله، فآواك إليه، وهي طريقة كل متوجه، لا يأويه الحق إليه حتى يكون يتيماً من الهوى، بل بقلبٍ مُفرد، فيه توحيد مجرد.
قال القشيري: ويُقال فآواك إلى بساط القربة، بحيث انفردْتَ بمقامِك، فلم يُشاركك فيه أحد. اهـ. {ووجدك ضالاًّ} قيل: متردداً في معاني غوامض المحبة، فهداك بلطفه لها، أو: وجدك مُتحيراً عن إدراك حقيقتنا، فكملناك بأنوار ربوبيتنا حتى أدركتنا بنا، وفي هذا ملاءمة لمعنى الافتتاح. قال القشيري: ويُقال: ضالاًّ عن محبتي لكن فعرَّفْتُك أني أُحبك، ويقال: جاهلاً شرفَك فعرَّفْتُك قَدْرَكَ. اهـ. ووجدك عائلاً فقيراً مما سواه، فأغناك به عن كل شيء، إلاّ طلب الزيادة في العلوم والعرفان، فلا قناعة من ذلك، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114]. وفي القوت: إنما أغناه بوصفه، لا بالأسباب وهو أعز على الله من أن يجعل غناه من الدنيا أو يرضاها له. اهـ. وكما أنَّ الله تعالى غَنِيّ بذاته، لا بالأعراض والأسباب، فالرسول صلى الله عليه وسلم غَنِيّ بربه لا بالأعراض. قاله في الحاشية. قلت: وكذلك الأولياء رضي الله عنهم سَرَى فيهم اسمه تعالى الغَنيِّ فصاروا أغنياء بلا سبب، وما وصّى به الحقٌّ تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يُوصَّى به خلفاؤه من قوله: {فأمّا اليتيم فلا تقهر...} إلخ. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.